بقلم: المهندس هيثم حسين
رئيس منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي)
قرار يحمل بُعدًا استراتيجيًا
توجيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق حزمة حماية اجتماعية جديدة وزيادة أجور العاملين لا يمكن اعتباره إجراءً اجتماعيًا عابرًا، بل يمثل قرارًا اقتصاديًا ذا بُعد استراتيجي واضح. فاستقرار المجتمعات يبدأ من استقرار الدخول، وحماية القوة الشرائية أصبحت ضرورة ملحّة في ظل التحديات التضخمية العالمية.
هذا التوجه يعكس حرص القيادة السياسية على تحقيق توازن دقيق بين الحماية الاجتماعية واستمرار مسار الإصلاح الاقتصادي، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار المجتمعي دون الإخلال بمستهدفات النمو.
قراءة في المؤشرات الاقتصادية
تؤكد المؤشرات الاقتصادية أهمية هذا التوازن؛ إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لمصر نحو 349 مليار دولار، بمعدل نمو يقارب 4.5%. كما تراجع معدل التضخم إلى نطاق 12–14% بعد موجات ارتفاع سابقة، فيما سجلت الصادرات غير البترولية نحو 48.6 مليار دولار خلال العام الأخير.
في المقابل، تتراوح قيمة الواردات السنوية بين 80 و85 مليار دولار، ما يعني وجود عجز تجاري يُقدّر بنحو 30–35 مليار دولار. وهذا الرقم لا يُعد مجرد مؤشر محاسبي، بل يعكس تحديًا حقيقيًا يتطلب تعميق التصنيع المحلي، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز الصادرات.
فكل دولار يتم توفيره عبر إحلال المنتج المحلي محل المستورد يمثل دعمًا مباشرًا للجنيه المصري، ويوفر فرص عمل جديدة، ويخفف الضغط على العملة الصعبة.
الأجور والإنتاجية… معادلة لا تنفصل
زيادة الأجور خطوة مهمة، لكن تأثيرها الحقيقي يرتبط بمدى قدرتها على التحول إلى زيادة في الإنتاجية. فأي سياسة دخل لا تستند إلى قاعدة إنتاج قوية قد تتحول إلى عبء اقتصادي، بينما تصبح أداة للاستقرار والنمو حين تُبنى على اقتصاد منتج.
وهذه المعادلة تمثل جوهر العمل داخل منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي)، التي ترتكز على:
- رفع كفاءة العامل قبل رفع أجره،
- تدريب فعلي قبل التشغيل،
- تحقيق زيادة في الإنتاج توازي أي زيادة في الدخل.
فالاستدامة الاقتصادية تبدأ من المصنع، وتترجم في جودة المنتج وقدرته التنافسية.
مسؤولية الحكومة والقطاع الخاص
العدالة الاقتصادية لا تتحقق عبر الدعم وحده، بل من خلال خلق قيمة مضافة حقيقية داخل المصانع وسلاسل الإمداد، وربط سياسات الأجور بسياسات الإنتاج والتصدير.
وتتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة في سرعة تنفيذ القرارات والاقتراب من نبض المجتمع، مع اتخاذ خطوات أكثر جرأة في الملفات الصناعية والزراعية، ومعالجة تحديات التمويل، وتكلفة الطاقة، وكفاءة سلاسل الإمداد، وتحفيز المنتج المحلي بشكل عملي وملموس.
وفي المقابل، يقع على عاتق مجتمع المستثمرين والصناع التفاعل الإيجابي مع توجهات الدولة في دعم العمال وتحسين أوضاعهم، ليس باعتباره التزامًا اجتماعيًا فقط، بل باعتباره استثمارًا طويل الأجل؛ فالعامل المستقر أكثر إنتاجًا، والاستقرار داخل بيئة العمل ينعكس مباشرة على الجودة والتنافسية.
الإنتاج أولًا
أن الدولة وضعت الإطار العام، والحكومة مطالبة بسرعة التنفيذ، والقطاع الخاص مدعو إلى شراكة جادة ومسؤولة.
هكذا فقط تتحول القرارات إلى نتائج ملموسة، وتتحول الحماية الاجتماعية إلى قوة إنتاجية حقيقية.
ويختتم المهندس هيثم حسين تصريحه قائلًا:
«لا استقرار اقتصادي بلا إنتاج حقيقي، ولا زيادة أجور مستدامة بلا زيادة في قيمة ما نصنعه.
معركتنا اليوم هي معركة إنتاج قبل أن تكون معركة أرقام».

