بقلم الدكتور/ أحمد القرمانى
![]() |
| النصب باسم الدولة… حين تتحول الهيبة إلى أداة احتيال |
لم تعد جرائم النصب في صورتها التقليدية البسيطة، بل شهدت في السنوات الأخيرة تحولًا خطيرًا في أدواتها وأساليبها. لم يعد النصاب يكتفي بالكذب المباشر أو الإغراء الساذج، بل بات يرتدي “قناع الدولة”، ويتحدث بلسانها، ويستدعي أسماءها الثقيلة، ليصنع لنفسه هالة زائفة من النفوذ والسلطة.
في قلب هذا المشهد، يظهر نمط جديد من المجرمين يعتمد على انتحال الصفات الرسمية، أو الادعاء بصلات وثيقة بمسؤولين كبار أو جهات سيادية، مستغلًا في ذلك طبيعة المجتمع الذي يقدّر السلطة ويخشاها في آنٍ واحد. فبمجرد أن يذكر اسم شخصية نافذة مثل صبري نخنوخ أو إبراهيم العرجاني، أو يلمّح إلى علاقات مع دوائر الحكم، يبدأ الشك في التراجع، ويحل محله نوع من التصديق المشوب بالخوف أو الطمع.
الأخطر من ذلك، هو الزج باسم الدولة نفسها، أو القيادة السياسية، في أحاديث لا أساس لها من الصحة. فيُقال إن هناك “توجيهات من فوق”، أو أن الأمر “بعلم القيادة”، بل وقد يصل الأمر إلى استخدام اسم الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياقات هدفها الوحيد هو إضفاء شرعية وهمية على سلوك إجرامي بحت. وهنا تتحول الجريمة من مجرد نصب إلى اعتداء معنوي على هيبة الدولة ومؤسساتها.
هذه الفئة من النصابين لا تعتمد فقط على الكذب، بل على فهم عميق للنفس البشرية. فهم يدركون أن المواطن قد يتردد في التشكيك في شخص يدّعي صلة بجهة سيادية، أو يخشى أن يُحسب عليه الاعتراض. كما يستغلون رغبة البعض في “تسهيل الأمور” أو القفز على الإجراءات القانونية، فيقدمون أنفسهم كوسطاء قادرين على حل القضايا أو إنهاء الأزمات “بطرق خاصة”.
ومن واقع الممارسة العملية، يروي كثير من القانونيين مواقف تكشف مدى جرأة هؤلاء. أشخاص يعرضون “حل قضايا” مقابل مبالغ مالية، أو يدّعون القدرة على الوصول إلى وزراء، أو حتى التوسط لدى أعلى مستويات الحكم. والأدهى، أن بعضهم قد يكون بلا أي خلفية حقيقية، لكنه يمتلك أموالًا مجهولة المصدر يستخدمها كوسيلة لإقناع الآخرين بقدرته ونفوذه.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في ضحاياها المباشرين، بل في تأثيرها على الثقة العامة في مؤسسات الدولة. فعندما تنتشر مثل هذه الادعاءات دون ردع حاسم، قد يختلط الأمر على البعض، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والوهم، بين المسؤول الحقيقي والمدّعي.
لذلك، فإن المواجهة يجب أن تكون على عدة مستويات:
قانونيًا: بتشديد العقوبات على جرائم انتحال الصفة والنصب المرتبط بها، خاصة حين يقترن بأسماء جهات رسمية.
أمنيًا: عبر تتبع هذه الشبكات التي تعمل أحيانًا بشكل منظم وتستهدف فئات بعينها.
توعويًا: وهو الأهم، بنشر ثقافة قانونية واضحة تؤكد أن الدولة لا تعمل عبر وسطاء، ولا تُدار بالاتصالات الخفية أو “المعارف”.
مهنيًا: بدور المحامين والإعلاميين في كشف هذه الأساليب وتحذير المواطنين منها.
في النهاية، تبقى القاعدة الأهم:
كل من يدّعي أنه يملك طريقًا مختصرًا خارج إطار القانون، هو في الغالب طريق إلى جريمة جديدة.
هيبة الدولة لا تُستغل… بل تُحمى. والمجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة من يحاولون تحويلها إلى سلعة في سوق النصب.
