كتب : سيلين القاضي – روما
![]() |
| جالية العالم العربي في إيطاليا: أوروبا مطالبة بسياسة موحدة تجمع بين الأمن والاندماج والتنمية والتعاون الدولي |
جالية العالم العربي في إيطاليا: أوروبا مطالبة بسياسة موحدة تجمع بين الأمن والاندماج والتنمية والتعاون الدولي
أكدت شبكة الجمعيات العربية والإيطالية أن مأساة سبتة الأخيرة، وما رافقها من خسائر بشرية وتصاعد للجدل السياسي داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي، تعكس بوضوح فشل سياسات الهجرة الأوروبية التي اتُّبعت على مدار العقود الثلاثة الماضية، داعية إلى تبني استراتيجية جديدة تقوم على الهجرة الرشيدة، وتعزيز التعاون مع دول المنشأ، وتحقيق التوازن بين حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان.
وجاء ذلك في بيان مشترك صادر عن جالية العالم العربي في إيطاليا (CO-MAI)، والرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية الدولية (UMEM)، ونقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا (AMSI)، ووكالة AISCNEWS، وحركة متحدون للوحدة، والاتحاد الدولي لأبناء عرب 48.
وقال البروفيسور فؤاد عودة، رئيس شبكة الجمعيات، إن أزمة سبتة ليست أزمة إسبانية فحسب، بل نتيجة مباشرة لسياسات أوروبية متناقضة افتقرت إلى رؤية موحدة، موضحًا أن أوروبا انتقلت بين فترات من الانفتاح غير المنظم وأخرى من التشدد الأمني، دون معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة، وفي مقدمتها الحروب، والفقر، والبطالة، وعدم الاستقرار السياسي، والاتجار بالبشر، وتغير المناخ، وغياب قنوات الهجرة القانونية.
وأضاف أن التجارب الأوروبية أثبتت أن الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها لا يحقق النتائج المرجوة، كما أن سياسات الاستقبال دون برامج اندماج حقيقية تؤدي إلى أزمات اجتماعية واقتصادية، مشددًا على ضرورة الجمع بين الأمن، والشرعية، والعمل، والاندماج، والتعاون الدولي.
وأشار البيان إلى أن أعداد المهاجرين غير النظاميين إلى الاتحاد الأوروبي شهدت تراجعًا خلال عامي 2025 و2026، إلا أن ذلك لم ينهِ الأزمة، إذ ما زالت الضغوط تنتقل بين مختلف المسارات الحدودية، من وسط البحر المتوسط إلى جزر الكناري، ثم إلى الحدود المغربية الإسبانية، وهو ما تؤكده أحداث سبتة الأخيرة.
وأوضح عودة أن إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا، رغم اختلاف سياساتها، لا تزال تواجه تحديات مشتركة، أبرزها بطء إجراءات الاندماج، وصعوبة الاعتراف بالمؤهلات المهنية، واستمرار استغلال العمالة المهاجرة، إلى جانب غياب سياسة أوروبية موحدة لتوزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء.
وأكد أن إيطاليا تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، يربط بين احتياجات سوق العمل وسياسات الهجرة، مع تسريع الاعتراف بالمؤهلات العلمية والمهنية، حتى لا يبقى آلاف الأطباء والمهندسين والممرضين وأصحاب الكفاءات يعملون في وظائف لا تتناسب مع خبراتهم.
كما شدد البيان على أن الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء يمثل خطوة إيجابية، لكنه لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بإرادة سياسية حقيقية، وتعاون فعّال بين دول الاتحاد الأوروبي ودول المنشأ والعبور.
وجددت شبكة الجمعيات تأكيدها على مبادئ "بيان الهجرة الرشيدة"، الذي يدعو إلى إدارة قانونية ومنظمة للهجرة، تقوم على احترام القانون، وتعلم اللغة، والاندماج في المجتمع، مقابل توفير الدولة لمسارات قانونية واضحة، وفرص عمل، ورعاية صحية، واعتراف بالمؤهلات، بما يضمن حفظ الحقوق والواجبات لجميع الأطراف.
وأكد البيان أن مشروع "الاتحاد من أجل إيطاليا" يمثل امتدادًا لأكثر من ثلاثين عامًا من العمل المجتمعي، ويهدف إلى تحويل الخبرات المتراكمة إلى مشروع سياسي ومؤسسي يقوم على الكفاءة، والشفافية، والجدارة، واحترام الدستور، والحوار بين الثقافات، بعيدًا عن أي توجهات عرقية أو دينية أو شعبوية.
ودعت شبكة الجمعيات إلى إطلاق خطة أوروبية شاملة تتضمن تعزيز التعاون مع دول أفريقيا والبحر المتوسط، وإنشاء آليات إنذار مبكر لرصد موجات الهجرة، وتوسيع قنوات الهجرة القانونية وفق احتياجات سوق العمل، وتسريع إجراءات اللجوء، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والاستثمار في التعليم والصحة والتنمية داخل دول المنشأ، باعتبارها الحل الحقيقي للحد من الهجرة غير النظامية.
وأكد البروفيسور فؤاد عودة أن حماية الحدود لا تتعارض مع حماية الإنسان، بل إن نجاح أي سياسة للهجرة يتطلب الجمع بين الأمن والشرعية والاندماج والتنمية، مضيفًا: "فلنساعدهم في بلادهم، ولنفعل ذلك بجدية، فهذه هي الطريقة الأكثر فاعلية للحد من الهجرة غير النظامية، وحماية الأرواح، وتحقيق الاستقرار للجميع."
وفي ختام البيان، قال حامد خليفة، منسق المكتب الإعلامي لشبكة الجمعيات، إن مأساة سبتة يجب أن تكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لسياسات الهجرة الأوروبية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال. وأضاف أن الاستثمار في التنمية داخل دول المنشأ، وفتح قنوات هجرة قانونية، وتعزيز التعاون الدولي، تمثل الركائز الأساسية لمعالجة جذور الأزمة، مؤكدًا أن شبكة الجمعيات ستواصل تقديم رؤيتها وخبراتها للمؤسسات الأوروبية والدولية من أجل بناء سياسة هجرة أكثر إنسانية وعدالة واستدامة، تحقق الأمن وتحفظ كرامة الإنسان في آن واحد.
